سنفونية القلق
المشهد الأول
من كوّة التاريخِ
والدنيا ظلامٌ دامسٌ
والأفقُ تشربهُ الدماءْ
وقف القتيلُ
يراقبُ الأيامَ
يقرؤها
بصبرٍواتئادْ
عبرت قوافلهم
تجرجرُ عريها
كالليلِ يلبسه السوادْ
عبرت قوافلهم
تودّعُ خلفها زمن الحدادِ
لتلتقيهِ من جديدٍ
إنّهُ زمنُ الحدادْ
كانت هوادجهم تخبئُ سرّهم
وعيونُ بلقيسَ الحزينةِ
تمطرُ الطرقاتِ دمعاً
كالرمادْ
المشهد الثاني
عبروا كأغنيةِ التراثِ
إلى الشمالِ
وكانتِ الأيامُ تعجنهم
وتنضجهم كخبزِ القهرِ
فوق رمالِ صحراءِ الضياعْ
من ههنا عبروا إلى المنفى
ليقتسموا رغيفَ الحيفِ
يقتسموا التنازعَ والتناحرَ
والصراعْ
نثرتهمُ الأيامُ كالدفلى
على أطرافِ صحراءِ الفناءْ
وعيونُ زرقاءِ اليمامةِ
لم تعدْ تجدي
وقد ثُملتْ
بأمرٍ من زعيمِ القومِ
فالأيامُ محظورٌ عليها أن ترى
إلاّ الشقاءْ
والأرضُ تُسقى كلّ يومٍ
بالدماءْ
المشهد الثالث
رحلوا إلى أرضِ الشمالِ
تقودهم أحلامهم
وغريزةُ الدمِ والبقاءْ
رحلوا كأسرابِ الجوارحِ
يحلمونَ بصيدِ تاريخٍ جديدْ
لكنّها الأيامُ
تمضي بالسفيهِ وبالرشيدْ
قذفتهمُ الأيامُ في حقلِ المجاعةِ
والوعيدْ
المشهد الرابع
في الشامِ
كان الياسمينُ ينامُ في الطرقاتِ
قبل مجيء هولاكو
وكانت شجرةُ النارنجِ
تهدي عطرها
سحراً
لكلّ العابرينْ
كان الحمامُ ينامُ مثلَ حكايةِ الجداتِ
فوقَ أسرّةِ الأطفالِ
كان الليلُ يهدي قاسيونَ
شموخهُ
والشمسُ تركضُ في أزقتها
وتمسحُ كلّ أبوابِ المدينةِ
بالحنينْ
المشهد الخامس
غرقَ الوجودُ بصمتهِ
والليلُ أسدلَ ثوبهُ فوقَ الحقيقةِ
والنفاقُ يخيطُ أثوابَ الرياءْ
والذئبُ أتعبهُ العواءْ
والشمسُ تأكلُ نفسها
ويتوهُ في النفقِ الضياءْ
بغدادتشعلُ نخلها
لتضيءَ للوجع الطريقْ
والنيلُ أضحى في مواجعهِ غريقْ
ودمشقُ تغسلُ ثوبها
بدمائها
ليعودَ للأملِ البريقْ
المشهد الأخير
في غابةِ الفوضى
وفي نفقِ الضلالِ
وفي هزيعِ الحزنِ
مرّ الوقتُ منكسراً
على أيامهِ الأولى
يوزّعُ حزنَ هابيلَ
المسجّى قربَ جستهِ
فيورقُ دمعةً
في جفنِ أطفالِ العراقِ
وفي أحزانِ أهلِ الشامِ
يسقونَ الحدائقَ
من دموعِ القهرِ
كي تنمو الحقيقةُ
مرّةً
كالحنظلِ البرّيّ
يسقي من عصارتهِ
ضميراً
صارَ موطنهُ
المنافي والقفارْ
بقلمي
أبو شيماء الحمصي
ً
ُ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق