وحـــي الــهُــدى*
صـاحَ شِعـري وبـحْت ِالأضواءُ
أويـرقـى لـرقـيـهِ الأنـبيـاءُ
حـرس الكـون نورهُ حين هلا
وتـجلى على النـجومِ البـهاءُ
فتهاوتْ على الشياطين شهبٌ
تـصعـقُ الـماردين أنّى تـشاءُ
وبـدا الفلك يزدههي من سناهُ
حـَفّتْ الأرضُ ذكرهُ والسـماءُ
فتـوالى عــلى الفـجرِ فـجرًا
يحمـلُ الحقَ ليس فيهِ إزدراءُ
وتـسامى بهِ الـوجودُ وأسـمى
ما يُسـامي بهِ الوجـود احتفاءُ
رحّبَ الصخرُ والجماداتُ حيّتْ
والــدُنى والـــذُرى والـــعُـلاءُ
أذِنَ الله للـــوجــودِ بــعـــزٍ
"أسفـرت عـنه ُ ليلة ٌ غــَرّاءُ"
مولدُ النورِ أغدق الأرضَ عدلًا
فـتبدى على الحـقولِ الـزهَاءُ
نـثرَ الـوردَ عِـطـرهُ بـربيعٍ
فـإذا الــوردُ للــربيـــعِ رداءُ
فــسلوا الــوردَ في كـل عــامٍ
ما عــَلاها على الـربيعِ زهَاءُ
تُنبيءُ الوردُ إذ تُنبئكَ طيبٌ
هـو شـيءٌ من ذلك الإحـتفاءُ
يا حـبيبًا صـيّرَ المـهدَ روضًا
ومـُروجًـا تـرِفُّ فـيهِ الـنسـاءُ
صِـرنَ كالعِيـن ْحولهُ من ضـياهُ
مُشــرقـاتٍ زانــهنَّ الســــناءُ
يا حبـيبًا شـعَ في الكونِ طُهرًا
فتـباهـتْ بـطـــُهرهِ الأنـحـاءُ
أطـفـأ الـنارَ نـورهُ فـتداعـى
"إيوانُ كِسرى" وتداعى البـناءُ
يا لكـسرى وقـيصرٍ ما دهاهم
أي طـفـلٍ أرعــب العُـظــماءُ
أحمـدُ النورِ والبشارات تـترى
تــتوالى عـلى الــدُنا أنــباءُ
من قــديمٍ من "الـقديمِ" أتـتنا
قبــلُ "آدمٍ" تـحُـفها الأرجـاءُ
آيـةٌ قـد حــباها اللهُ فـضــلًا
هــي نـــورٌ ونــورهـا إحــياءُ
فــإذا الـرُسْلُ يـرتجون لـِقـاها
فــتُبـاهـي بأحـمـدِ الـعـلـياءُ
وهـــو عـــندها في مـــكـانٍ
لا يُــوارى ولا يـطـلهُ الـفـناءُ
أفضلُ الخـلقِ من يساويهِ قدرًا
ذلـك الفـضلٌ لـيس فيه مـِراءُ
أحـمـدُ الـنور للأنـامِ ضـيـاءٌ
أشــرقـت من نـورهِ الـظـلـماءُ
طـفـلٌ شـفّـهُ الصـباحُ وإذ بـهِ
يُلقي النسيمَ فتُطربُ الأجـواءُ
وإذا الأفـياءُ تــزهو تـحــتفي
بـمُحمدٍ تـتـراقـصُ الأفـيـاءُ
وتـحفـهُ القفراء حين أتوا بهِ
كي يرضعوه فخـصّب القـفراءُ
سُعدٌ حـلّ على الديار فأشرقت
وإذا ها"حليمةُ" تُرتجى وطفاءُ
هـيَ أرْضعْٔـتهُ لِـبانهـا فتجللت
وبــريّهِ فـاضـت وغـبَ الـماءُ
فـَغـَدت مِـعـطاءةٌ مـن فـضـلهِ
تـروي البنينَ فيُترف الأبـناءُ
ويدُ المُعـطي تحـفها وتَـرُفـها
وإذا المُفزعات أمـامـها ســـرّاءُ
من تغنّى بشذاهُ الـصبحُ مادحًا
كيف تُصعـب بوجههِ الأشياءُ؟
طـفلٌ شــبَّ فامتـشقَ الـعــُلا
معلمٌ يهتدي بِـهـديهِ الفضلاءُ
وبـهِ العـلمُ والمـكارمُ أشرقتْ
أبـدًا فأشـرقَ وجـْهُـها وضـّاءُ
فإذا لأهــل العـلم نـورٌ ساطـعُ
وإذا الــجـهلُ ظــلـمةُ نكــراءُ
وبهِ الفـضلُ والمروءةُ أمـطرت
ليـفيض في كـل الـدرب حـياءُ
تـدنو السـحابُ تـظلهُ لـيناُلها
شـــرفٌ بأحـمـدِ إنّهُ لَكِــفـاءُ
وإذا فاخـرت يومًا تـقولُ : بإنها
قـد حـبتْهُ لتـُظـلهُ : سيـماءُ
فهْي قـد ظللت أحـمداً فأقـلها
بـضـياهُ يسـمـو بهـا الإطــراءُ
ورأتهُ "بـنت خويلدٍ" فتهللتْ
والنورُ من وجهِ الحبيبِ يُضاءُ
فتـسامـى لها الـحلم بـشـرى
فتقـدْستْ وتبـاركت حـسناءُ
أسعـدت بالنّور فأُعلي شـأنها
في العـالـمين فـنالها إرضـاءُ
"الله" يُـقرأها الـسلام مـُبشرًا
برضاءه عـنّها فنـعمى الجزاءُ
فهْي من قامت تذود مـع الـنبي
قومَ جهلٍ إذ فشّت فيهم الأهواءُ
وبـدا النبيُ إلى العبادةِ يغتدي
والكُفـرُ فـاشٍ في الأنـامِ وبـاءُ
مُتخـفْيًا يـغـدو إلى خـُلـواتهِ
يحْنوهُ خِدرُ"خديجةٍ" وحـِراءُ
فـإذا رأهُ الـغارُ يُـقـبلُ نـحـوهُ
يسبـقهْ كيـْما يحتضنه بـهاءُ
بـمحمدٍ بـاتَ حـِراءُ مـُقدسـًا
وبـشُرفتْيهِ قـد التقى الأُمناءُ
وبيـوْمٍ جـاءهُ الـوحـي "إقـرأ"
فتـوالى عـلى الضـياءِ ضــياءُ
فــبدا يدعـو الـناسَ لـربـهم
لمْ يـنــلهُ هـــزلٌ ولا إعـيـاءُ
ليَـردْهـم نحْو الصـواب مُـنزهًا
للهِ لــم يــنتـابــهُ إبـــطـاءُ
"فتـعـدّوا على النـبي حـدودا
كـان فـيـها علـيهم الـعـدواءُ"
وتـواصـوا بالـعـداوةِ والـحقـدِ
فتـخـبطـوا وتــهـاوت الأراءُ
سخِروا من أحمد ٍ لمّا أتاهم
داعيـاً لله فـازداد الــجـفـاءُ
أرذالٌ من قُـريْشٍ قد سُخِْـروا
للكـفر جنـْدًا يحـثهـم إغـواءُ
يوْم أبْدت مخالبُ الكـفرِ نارًا
واشتد بأس المشركين وساؤا
أذِنَ الله بـهــجــرةٍ لـنـبيــهِ
فهْي مــيـْلادٌ ومــِنـهاجٌ وإبــاءُ
حيْن بات الأمـرُ جـدًا فتجهـز
رفقةً الصـديق يشـدوه قِبـاءُ
كــم أرادوا بـهِ فتكــًا لكنـهم
من سوء فعْلتهم بخزيهم باؤوا
ياسين تُتلا والتـّراب يحـثهم
والخـزيُ فـوق رؤوسـهم مـشّاءُ
فإذا الـبيـْداء تـزهـو بالـنبـي
يـوم أبــدا "سُـراقـةً"إنـكــاءُ
حُرّز الـغارُ بأحمدٍ واستمنعت
أوهـى الـبيوت وعـزت الـورقاءُ
وإذا يثْـرب تـحـتفى وتباهي
بقدومِ النـور يحدوها اللقاءُ
طلع الـبدرُ عليـها مـن ثناهـا
وطلوعُ أحمد لا يغشيهِ انطفاءُ
عِـــزةُ الأنــصـار إنّي مـنكــمُ
أيّ مجدٍ بعدَ هذا المجدُ شـاؤوا
طـيْبةُ الأخيارِ طابت بالنـبي
إذ أتاها بنسائم الهادي"الصِباءُ"
أيّ نـــورٍ وأيّ خــيـرٍ أتــاهــا
يـوم أن حل فيها نـورهُ والدواءُ
شـافـي الـعِلات بالـوحـي ومـا
قـولهُ بالـهزلِ حـاشاهُ إنـثـناءُ
فـهو المحمودُ ذو الـحمدِ الذي
فـِعــلهُ حــقٌ وعــدلٌ وبــناءُ
أسـسَ التـقـوى وآوى وانتـفـى
شِـرعـةُ الأوثان فـأزداد الإخـاءُ
منـبعُ التـوحـيد إذ سـاوى بـهِ
بيْن كل الـقومِ فإذا هـم ســواءُ
كـلّ كـم للهِ لا فــرقُ ولاعــزُ
فـالــدنــيا وبـــالٌ وفـــــناءُ
لا الثراء باقٍ فهل يُبقي الثرى
كلّ كــم فــانٍ ولله الــبـقــاءُ
فإذا الأنـصــارُ ســاداتُ المعالي
أهْل فـضـلٍ لا يـُكافـيهم ثنـاءُ
لمْ يعُد للجـهلِ فــيهم مـوطنٌ
بـعْد نـور العـلم إذهم أصـفياءُ
عُـصْـبةُ الإيـمانِ لا ضِــلٌ ولا
هُبلٌ يعـْلو ولا ثـأرٌ ولا"غـبراءُ"
برسوْل الله صُيـرَ الكُـفر هـباءً
وبهِ اسـتقـوى وعــزَ الـضُعفاءُ
يا حـبيبًا أنـت عــزٌ وضــيـاءٌ
وهـنــاءٌ وصــفــاءٌ ونــقـــاءُ
أيّ شِـعـْرٍ أنـت فــيهِ شـُـعــورٌ
أيّ فــكــرٍ أنت فــيهِ الحـِجـاءُ
أيّ نبــضٍ إذ أنت فــيهِ نـقــيٌ
أيّ قــلــبٍ إذ أنـت فــيــهِ دواءُ
يا رحـيْمًا جـئت فينا رحـمـةً
أنْت نــوْرٌ أنت عـــدلٌ ووفــاءُ
أنْت نـهْـجٌ أنت دستـورٌ لـقلـبي
يا نـبـيـًا أنـت للمرضى شِفـاءُ
أويصـدا بالـذنب قـلبُ مُـحبٍ؟
"ولهُ ذِكـرُكَ الـجمـيلُ جــِلاءُ"
يا رســولاً بهِ الـدروب أضـاءت
واستـضـاءت قــلوبنا العــمياءُ
كيف أحيانا بـعد الهدايةِ غـثٌ
وضـلالٌ وانـتـكاســـةٌ وغـثـاءُ
سكَنَ الـرعـْبُ والـخـرابُ بلدنا
وكــيانُنا يا سـيــدي أشــــلاءُ
ورمتـْنا أيـْدي الــغزاةِ بـمكـرٍ
فإذا الـمــكـرُ سُــمٌ وبـــــلاءُ
ياحبيبي هـدَنا الوهن وأفـنى
ومسَتـْنا يا سـيـدي الــضّــرّاءُ
فمتى نــرْجــعْ أمةً للـرشــادِ
وعزً للحقِ يُهدى بنا الأعــداءُ
يـا رســــول اللهِ إنـّا أمّــــــةٌ
رذخـتْ للذلِ فــازتاد الــــبلاءُ
هكــذا صــرنا وكـنّا هــامــةً
في جبيْن الدهرِ والــهدي لواءُ
يا حــبيبي هي شكـوآي تنادي
إنّ لي فــيك أمــــانٌ ورجــــاءُ
وإذا قـــلتُ صــــلاةً وســــلامًا
ردّدتْنــي من ذكــــره الآنــــاءُ
وبــذكرهِ تثنــي عـليّ أنامـلي
واللهُ والــملـــكوت والعـــلياءُ
فـسـلامٌ عــليكَ من كل قــلبٍ
وصــلاةٌ عـليكَ مـنك ضـــــياءُ
صلاح الأغبري
______________
*القصيدة مجاراة لقصيدة الإمام البوصيري
مع حذف الغزوات والأحداث هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق